أحمد مصطفى المراغي

16

تفسير المراغي

فينزعون أرواحهم من أجسادهم ضار بين وجوههم وأقفيتهم ، قائلين لهم : ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون ( وهذا الضرب والكلام من عالم الغيب ، فلا يقتضى أن يراه الذين يحضرون وفاتهم ، ولا أن يسمعوا كلامهم حين يقولون ذلك لهم ) لو رأيت ذلك لرأيت أمرا عظيما هائلا يردّ الكافر عن كفره ، والظالم عن ظلمه إذا هو علم عاقبة أمره . وقد روى أن ضرب الوجوه والأدبار كان ببدر ، كان المؤمنون يضربون من أقبل من المشركين من وجوههم والملائكة يضربونهم من أدبارهم . ( ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ ) أي هذا العذاب الذي ذقتموه بسبب ما كسبت أيديكم من سيئ الأعمال في حياتكم الدنيا من كفر وظلم ، وهذا يشمل القول والعمل . ونسب ذلك إلى الأيدي وإن كان قد يقع من الأيدي والأرجل وسائر الحواس أو بتدبير العقل ، من أجل أن العادة قد جرت بأن أكثر الأعمال البدنية تزاول بها . ( وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ) أي وبأن اللّه لا يظلم أحدا من عبيده ، فلا يعذب أحدا منهم إلا بجرم اجترمه ، ولا يعاقبه إلا بمعصيته إياه وقد وقع ذلك منكم ، فأنتم الظالمون لأنفسكم فلوموها ، ولا لوم إلا عليها . روى مسلم عن أبي ذر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه يقول يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما ، فلا تظالموا ؛ يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ، فمن وجد خيرا فليحمد اللّه ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه » . ( كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ) أي فعل هؤلاء المشركين من قريش الذين قتلوا ببدر كعادة قوم فرعون وفعلهم وفعل من قبلهم من الأمم الخالية ، كفروا بآيات ربهم فأخذهم بذنوبهم أخذ عزيز مقتدر ولم يظلم أحدا منهم مثقال ذرة ، ونصر رسله والمؤمنين .